فصل: تفسير الآيات رقم (1- 9)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏154- 165‏]‏

‏{‏ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ‏(‏154‏)‏ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏155‏)‏ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ‏(‏156‏)‏ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ‏(‏157‏)‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ‏(‏158‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ‏(‏159‏)‏ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏160‏)‏ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏161‏)‏ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏162‏)‏ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏163‏)‏ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ‏(‏164‏)‏ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏165‏)‏‏}‏

لم ينقطع تدفق السياق في الموضوع الأساسي الذي يعالجه شطر السورة الأخيرة- وهو موضوع الحاكمية والتشريع وعلاقتهما بالدين والعقيدة- وهذا الشوط الجديد هو امتداد في العرض، وامتداد في الحشد، لتقرير هذه الحقيقة‏.‏

وهو يتحدث عن المبادئ الأساسية في العقيدة- بصدد التشريع والحاكمية- كما كان الشطر الأول من السورة يتحدث عن هذه المبادئ في صدد قضية الدين والعقيدة‏.‏ ذلك ليقرر أن قضية التشريع والحاكمية هي كذلك قضية الدين والعقيدة‏.‏ وعلى ذات المستوى الذي يعرض به المنهج القرآني هذه الحقيقة‏.‏ ومما يلاحظ أن السياق يستخدم في شطر السورة الثاني ذات المؤثرات والموحيات والمشاهد والتعبيرات التي حشدها في الشطر الأول منها‏:‏

* يتحدث عن الكتب والرسل والوحي والآيات التي يطلبونها‏.‏

* ويتحدث عن الدمار والهلاك الذي يعقب وقوع الآيات والتكذيب بها‏.‏

* ويتحدث عن الآخرة وقواعد الدينونة والجزاء فيها‏.‏

* ويتحدث عن المفاصلة بين الرسول- صلى الله عليه وسلم- وقومه الذين يعدلون بربهم ويتخذون من دونه أربابا يشرعون لهم، ويوجه الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى إعلان حقيقة دينه جلية واضحة حاسمة‏.‏

* ويتحدث عن الربوبية الواحدة للعالمين جميعاً، والتي لا يجوز أن يتخذ المؤمن من دونها ربوبية أخرى‏.‏

* ويتحدث عن ملكية رب العالمين لكل شيء، وتصريفها لكل شيء، وعن استخلاف الله للناس كيف شاء، وقدرته على الذهاب بمن يشاء منهم عندما يشاء‏.‏

وهذه هي ذاتها القضايا والحقائق، والمؤثرات والموحيات التي حشدها في أول السورة عند عرض حقيقة العقيدة في محيطها الشامل‏.‏ محيط الألوهية والعبودية وما بينهما من علائق‏.‏‏.‏ ولا ريب أن لهذا دلالته التي لا تخفى على من يتعامل مع القرآن الكريم ومع المنهج القرآني‏.‏

يبدأ هذا المقطع الأخير في هذا الشطر من السورة بالحديث عن كتاب موسى‏.‏‏.‏ وذلك تكملة للحديث السابق عن صراط الله المستقيم‏:‏ ‏{‏وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله‏}‏ للإيحاء بأن هذا الصراط ممتد من قبل في رسالات الرسل- عليهم الصلاة والسلام- وشرائعهم‏.‏ وأقرب شريعة كانت هي شريعة موسى عليه السلام، وقد أعطاه الله كتابا فصل فيه كل شيء، وجعله هدى ورحمة لعل قومه يؤمنون بلقاء الله في الآخرة‏:‏ ‏{‏ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن، وتفصيلاً لكل شيء، وهدى ورحمة، لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون‏}‏‏.‏

ويستمر فيذكر الكتاب الجديد المبارك، الملتحم بالكتاب الذي أنزل على موسى، المتضمن للعقيدة وللشريعة المطلوب اتباعها والتقوى فيها‏.‏ رجاء أن ينال الناس- حين يتبعونها- رحمة الله في الدنيا والآخرة‏:‏ ‏{‏وهذا كتاب أنزلناه مبارك، فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون‏}‏‏.‏‏.‏

ولقد نزل هذا الكتاب قطعاً لحجة العرب، كي لا يقولوا‏:‏ إنه لم يتنزل علينا كتاب كالذي تنزل على اليهود والنصارى؛ ولو قد أوتينا الكتاب مثلما أوتوا لكنا أهدى منهم، فها هو ذا كتاب يتنزل عليهم، ويقطع هذه الحجة عليهم، فيستحق الذين يكذبون العذاب الأليم‏:‏ ‏{‏أن تقولوا‏:‏ إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا‏.‏

وإن كنا عن دراستهم لغافلين‏.‏ أو تقولوا‏:‏ لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم‏.‏‏.‏ فقد جاءكم بينة من ربكم، وهدى ورحمة، فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها‏؟‏ سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون‏}‏‏.‏‏.‏

لقد انقطعت المحجة بنزول هذا الكتاب؛ ولكنهم ما يزالون يشركون بالله؛ ويشرعون من عند أنفسهم ويزعمونه شريعة الله، بينما كتاب الله قائم وليس فيه هذا الذي يفترونه‏.‏ وما يزالون يطلبون الآيات والخوارق ليصدقوا بهذا الكتاب ويتبعوه‏.‏ ولو جاءتهم الآيات التي يطلبون أو بعضها لكان فيها القضاء الأخير‏:‏ ‏{‏هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك‏؟‏ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا‏.‏ قل‏:‏ انتظروا إنا منتظرون‏}‏‏.‏

وعند هذا الحد يفصل الله- سبحانه- بين نبيه- صلى الله عليه وسلم- وسائر الملل المتفرقة التي لا تقوم على توحيد الله عقيدة وشريعة‏.‏ ويقرر أن أمرهم إليه- سبحانه وتعالى- وأنه هو محاسبهم ومجازيهم وفق عدله ورحمته‏:‏ ‏{‏إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون‏.‏ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون‏}‏‏.‏

وهنا يجيء الإيقاع الأخير في هذا القطاع- وهو الإيقاع الأخير في السورة- في تسبيحة ندية رخية، حازمة كذلك حاسمة، تلخص أعمق أعماق الحقائق العقيدية في هذا الدين‏:‏ التوحيد المطلق، والعبودية الخالصة، وجدية الآخرة، وفردية التبعة والابتلاء في دار الدنيا‏.‏ وسلطان الله المتمثل في ربوبيته لكل شي؛ وفي استخلافه للعباد في ملكه كيف شاء بلا شريك ولا معقب‏.‏‏.‏ كما ترسم تلك التسبيحة المديدة صورة باهرة لحقيقة الألوهية، وهي تتجلى في أخلص قلب، وأصفى قلب، وأطهر قلب‏.‏‏.‏ قلب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-‏.‏‏.‏ وذلك في مستوى من التجلي لا يصوره إلا التعبير القرآني ذاته‏:‏ ‏{‏قل‏:‏ إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم‏.‏ ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين‏.‏ قل‏:‏ إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين‏.‏ لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين‏.‏ قل‏:‏ أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء، ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى؛ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون‏.‏

وهو الذي جعلكم خلائف الأرض، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم، إن ربك سريع العقاب، وإنه لغفور رحيم‏}‏‏.‏‏.‏

ونكتفي هنا بهذا القدر من الحديث المجمل، لنأخذ في مواجهة النصوص بالتفصيل‏:‏

‏{‏ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن، وتفصيلاً لكل شيء، وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون‏}‏‏.‏‏.‏

هذا الكلام معطوف بثم على ما قبله‏.‏‏.‏ وتأويله‏:‏ ‏{‏قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا‏.‏‏.‏‏}‏ ‏{‏وأن هذا صراطي مستقيماً‏}‏ معطوفة على جملة‏:‏ ألا تشركوا‏.‏‏.‏ ‏{‏ثم آتينا موسى الكتاب‏.‏‏.‏‏}‏ معطوف عليهما كذلك باعتباره من القول الذي دعاهم ليقوله لهم- صلى الله عليه وسلم- فالسياق مطرد كما أسلفنا‏.‏

وقوله ‏{‏تماماً على الذي أحسن‏}‏‏.‏‏.‏ تأويله- كما اختار ابن جرير-‏:‏ «ثم آتينا موسى التوراة تماما لنعمنا عنده، وأيادينا قبله، تتم به كرامتنا عليه، على إحسانه وطاعته ربه، وقيامه بما كلفه من شرائع دينه‏.‏ وتبيينا لكل ما بقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم»‏.‏‏.‏

وقوله‏:‏ وتفصيلا لكل شيء‏.‏ كما قال قتادة‏:‏ فيه حلاله وحرامه‏.‏

وهدى ورحمة لعل قومه يهتدون ويؤمنون بلقاء ربهم فيرحمهم من عذابه‏.‏‏.‏

‏.‏‏.‏ هذا الغرض الذي من أجله آتينا موسى الكتاب، جاء من أجله كتابكم، لعلكم تنالون به الهدى والرحمة‏:‏

‏{‏وهذا كتاب أنزلناه مبارك، فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون‏}‏‏.‏‏.‏

وإنه لكتاب مبارك حقاً- كما فسرنا ذلك من قبل عند ورود هذا النص في السورة أول مرة‏:‏ ‏{‏وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه، ولتنذر أم القرى ومن حولها، والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به، وهم على صلاتهم يحافظون‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 92‏]‏‏.‏‏.‏ وكان ذكر هذا الكتاب هناك بمناسبة الحديث عن العقيدة في مجالها الشامل؛ وهو هنا يذكر بمناسبة الحديث عن الشريعة بنص مقارب‏!‏ ويؤمرون باتباعه؛ وتناط رحمتهم من الله بهذا الاتباع‏.‏ والكلام هنا بجملته في معرض الشريعة، بعد ما تناولته أوائل السورة في معرض العقيدة‏.‏

وقد بطلت حجتكم، وسقطت معذرتكم، بتنزيل هذا الكتاب المبارك إليكم، تفصيلاً لكل شيء‏.‏ بحيث لا تحتاجون إلى مرجع آخر وراءه؛ وبحيث لا يبقى جانب من جوانب الحياة لم يتناوله فتحتاجون أن تشرعوا له من عند أنفسكم‏:‏

‏{‏أن تقولوا‏:‏ إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا‏.‏ وإن كنا عن دراستهم لغافلين‏.‏ أو تقولوا‏:‏ لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم‏.‏ فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة‏.‏ فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها‏؟‏ سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون‏}‏‏.‏‏.‏

لقد شاء الله سبحانه أن يرسل كل رسول إلى قومه بلسانهم‏.‏‏.‏ حتى إذا كانت الرسالة الأخيرة أرسل الله محمداً خاتم النبيين للناس كافة‏.‏ فهو آخر رسول من الله للبشر، فناسب أن يكون رسولاً إليهم أجمعين‏.‏

والله- سبحانه- يقطع الحجة على العرب أن يقولوا‏:‏ إن كلا من موسى وعيسى إنما أرسلا إلى قومهما‏.‏ ونحن كنا غافلين عن دراستهم لكتابهم، لا علم لنا به ولا اهتمام‏.‏ ولو جاء إلينا كتاب بلغتنا، يخاطبنا وينذرنا لكنا أهدى من أهل الكتاب‏.‏‏.‏ فقد جاءهم هذا الكتاب وجاءهم رسول منهم- وإن كان رسولاً للناس أجمعين- وجاءهم بكتاب هو بينة في ذاته على صدقه‏.‏ وهو يحمل إليهم حقائق بينة كذلك لا لبس فيها ولا غموض‏.‏ وهو هدى لما هم فيه من ضلالة، ورحمة لهم في الدنيا والآخرة‏.‏‏.‏

فإذا كان ذلك كذلك، فمن أشد ظلماً ممن كذب بآيات الله وأعرض عنها وهي تدعوه إلى الهدى والصلاح والفلاح‏؟‏ من أشد ظلماً لنفسه وللناس بصده لنفسه وللناس عن هذا الخير العظيم، وبإفساده في الأرض بتصورات الجاهلية وتشريعاتها‏.‏‏.‏ إن الذين يعرضون عن هذا الحق في طبعهم آفة تميلهم عنه؛ كالآفة التي تكون في خف البعير فتجعله يصدف- أي يميل- بجسمه ولا يستقيم‏!‏ إنهم ‏{‏يصدفون‏}‏ عن الحق والاستقامة، كما يصدف البعير المريض عن الاعتدال والاستقامة‏!‏ وهم مستحقون سوء العذاب بصدوفهم هذا وميلهم‏:‏

‏{‏سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون‏}‏‏.‏‏.‏

إن التعبير القرآني يستخدم مثل هذا اللفظ، المنقول في اللغة من حالة حسية إلى حالة معنوية ليستصحب في الحس أصل المعنى‏.‏‏.‏ فيستخدم هنا لفظ «يصدف» وقد عرفنا أنه من صدف البعير إذا مال بخفه ولم يعتدل لمرض فيه‏!‏ كذلك يستخدم لفظ «يصعر خده» وهو مأخوذ من داء الصَّعَر الذي يصيب الإبل- كما يصيب الناس- فتعرض صفحة خدها، اضطراراً، ولا تملك أن تحرك عنقها بيسر، ومثله استخدام لفظ ‏{‏حبطت أعمالهم‏}‏ من حبطت الناقة إذا رعت نباتا مسموماً فانتفخ بطنها ثم ماتت‏!‏ ومثلها كثير‏.‏‏.‏

ويمضي في هذا التهديد خطوة أخرى، للرد على ما كانوا يطلبونه من الآيات والخوارق حتى يصدقوا بهذا الكتاب‏.‏‏.‏ وقد مضى مثل ذلك التهديد في أوائل السورة عند ما كانت المناسبة هناك مناسبة التكذيب بحقيقة الاعتقاد‏.‏ وهو يتكرر هنا، والمناسبة الحاضرة هي مناسبة الإعراض عن الاتباع والتقيد بشريعة الله‏:‏ فقد جاء في أول السورة‏:‏ ‏{‏وقالوا‏:‏ لولا أنزل عليه ملك‏!‏ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا يُنظرون‏}‏ وجاء هنا في آخرها‏:‏

‏{‏هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك، أو يأتي بعض آيات ربك‏؟‏ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً‏:‏ قل‏:‏ انتظروا إنا منتظرون‏}‏‏.‏‏.‏

إنه التهديد الواضح الحاسم‏.‏ فقد مضت سنة الله بأن يكون عذاب الاستئصال حتماً إذا جاءت الخارقة ثم لم يؤمن بها المكذبون‏.‏

‏.‏ والله سبحانه يقول لهم‏:‏ إن ما طلبوه من الخوارق لو جاءهم بعضه لقضي عليهم بعده‏.‏‏.‏ وإنه يوم تأتي بعض آيات الله تكون الخاتمة التي لا ينفع بعدها إيمان ولاعمل‏.‏‏.‏ لنفس لم تؤمن من قبل، ولم تكسب عملاً صالحاً في إيمانها‏.‏ فالعمل الصالح هو دائماً قرين الإيمان وترجمته في ميزان الإسلام‏.‏

ولقد ورد في روايات متعددة أن المقصود بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يأتي بعض آيات ربك‏}‏ هو أشراط الساعة وعلاماتها، التي لا ينفع بعدها إيمان ولا عمل‏.‏ وعدوا من ذلك أشراطاً بعينها‏.‏‏.‏ ولكن تأويل الآية على وفق السنة الجارية في هذه الحياة الأولى‏.‏ فقد سبق مثله في أول السورة، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون‏}‏ والملاحظ أن السياق يكرر وهو بصدد الكلام عن الشريعة والحاكمية، ما جاء مثله من قبل وهو بصدد الكلام عن الإيمان والعقيدة، وأن هذا ملحوظ ومقصود، لتقرير حقيقة بعينها‏.‏ فأولى أن نحمل هذا الذي في آخر السورة على ما جاء من مثله في أولها من تقرير سنة الله الجارية‏.‏ وهو كاف في التأويل، بدون الالتجاء إلى الإحالة على ذلك الغيب المجهول‏.‏‏.‏

بعد ذلك يلتفت السياق إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليفرده وحده بدينه وشريعته ومنهجه وطريقه عن كل الملل والنحل والشيع القائمة في الأرض- بما فيها ملة المشركين العرب-‏:‏

‏{‏إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء‏.‏ إنما أمرهم إلى الله، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون‏}‏‏.‏‏.‏

إنه مفرق الطريق بين الرسول- صلى الله عليه وسلم- ودينه وشريعته ومنهجه كله وبين سائر الملل والنحل‏.‏‏.‏

سواء من المشركين الذين كانت تمزقهم أوهام الجاهلية وتقاليدها وعاداتها وثاراتها، شيعاً وفرقاً وقبائل وعشائر وبطونا‏.‏ أو من اليهود والنصارى ممن قسمتهم الخلافات المذهبية مللا ونحلاً ومعسكرات ودولاً‏.‏ أو من غيرهم مما كان وما سيكون من مذاهب ونظريات وتصورات ومعتقدات وأوضاع وأنظمة إلى يوم الدين‏.‏

إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليس من هؤلاء كلهم في شيء‏.‏‏.‏ إن دينه هو الإسلام وشريعته هي التي في كتاب الله؛ ومنهجه هو منهجه المستقل المتفرد المتميز‏.‏‏.‏ وما يمكن أن يختلط هذا الدين بغيره من المعتقدات والتصورات؛ ولا أن تختلط شريعته ونظامه بغيره من المذاهب والأوضاع والنظريات‏.‏‏.‏ وما يمكن أن يكون هناك وصفان اثنان لأي شريعة أو أي وضع أو أي نظام‏.‏‏.‏ إسلامي‏.‏‏.‏ وشيء آخر‏.‏‏.‏ ‏!‏‏!‏‏!‏ إن الإسلام إسلام فحسب‏.‏ والشريعة الإسلامية شريعة إسلامية فحسب‏.‏ والنظام الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي الإسلامي إسلامي فحسب‏.‏‏.‏ ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليس في شيء على الإطلاق من هذا كله إلى آخر الزمان‏!‏

إن الوقفة الأولى للمسلم أمام أية عقيدة ليست هي الإسلام هي وقفة المفارقة والرفض منذ اللحظة الأولى‏.‏

وكذلك وقفته أمام أي شرع أو نظام أو وضع ليست الحاكمية فيه لله وحده- وبالتعبير الآخر‏:‏ ليست الألوهية والربوبية فيه لله وحده- إنها وقفة الرفض والتبرؤ منذ اللحظة الأولى‏.‏‏.‏ قبل الدخول في أية محاولة للبحث عن مشابهات أو مخالفات بين شيء من هذا كله وبين ما في الإسلام‏!‏

إن الدين عند الله الإسلام‏.‏‏.‏ ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليس في شيء ممن فرقوا الدين فلم يلتقوا فيه على الإسلام‏.‏

وإن الدين عند الله هو المنهج والشرع‏.‏‏.‏ ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليس في شيء ممن يتخذون غير منهج الله منهجاً، وغير شريعة الله شرعا‏.‏‏.‏

الأمر هكذا جملة‏.‏ وللنظرة الأولى‏.‏ بدون دخول في التفصيلات‏!‏

وأمر هؤلاء الذين فرقوا دينهم شيعاً، وبرئ منهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بحكم من الله تعالى‏.‏‏.‏ أمرهم بعد ذلك إلى الله؛ وهو محاسبهم على ما كانوا يفعلون‏:‏

‏{‏إنما أمرهم إلى الله، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون‏}‏‏.‏‏.‏

وبمناسبة الحساب والجزاء قرر الله سبحانه ما كتبه على نفسه من الرحمة في حساب عباده‏.‏ فجعل لمن جاء بالحسنة وهو مؤمن- فليس مع الكفر من حسنة‏!‏- فله عشر أمثالها‏.‏ ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها؛ لا يظلم ربك أحدا ولا يبخسه حقه‏:‏

‏{‏من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها‏.‏ ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها‏.‏ وهم لا يظلمون‏}‏‏.‏‏.‏

وفي ختام السورة- وختام الحديث الطويل عن قضية التشريع والحاكمية- تجيء التسبيحة الندية الرخية، في إيقاع حبيب إلى النفس قريب؛ وفي تقرير كذلك حاسم فاصل‏.‏‏.‏ ويتكرر الإيقاع الموحي في كل آية‏:‏ «قل»‏.‏‏.‏ «قل»‏.‏‏.‏ «قل»‏.‏‏.‏ ويلمس في كل آية أعماق القلب البشري لمسات دقيقة عميقة في مكان التوحيد‏.‏‏.‏ توحيد الصراط والملة‏.‏ توحيد المتجه والحركة‏.‏ توحيد الإله والرب‏.‏ توحيد العبودية والعبادة‏.‏‏.‏ مع نظرة شاملة إلى الوجود كله وسنته ومقوماته‏.‏

‏{‏قل‏:‏ إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين‏.‏ لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين‏.‏ قل‏:‏ أغير الله أبغي ربا، وهو رب كل شيء، ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون‏.‏ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم‏.‏ إن ربك سريع العقاب، وإنه لغفور رحيم‏}‏‏.‏‏.‏

هذا التعقيب كله، الذي يؤلف مع مطلع السورة لحناً رائعاً باهراً متناسقاً، هو تعقيب ينتهي به الحديث عن قضية الذبائح والنذور والثمار، وما تزعمه الجاهلية بشأنها من شرائع، تزعم أنها من شرع الله افتراء على الله‏.‏

‏.‏ فأية دلالة يعطيها هذا التعقيب‏؟‏ إنها دلالة لا تحتاج بعد ما سبق من البيان إلى مزيد‏.‏‏.‏

‏{‏قل‏:‏ إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم‏.‏ ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين‏}‏‏.‏‏.‏

إنه الإعلان الذي يوحي بالشكر، ويشي بالثقة، ويفيض باليقين‏.‏‏.‏ اليقين في بناء العبادة اللفظي ودلالتها المعنوية، والثقة بالصلة الهادية‏.‏‏.‏ صلة الربوبية الموجهة المهيمنة الراعية‏.‏‏.‏ والشكر على الهداية إلى الصراط المستقيم، الذي لا التواء فيه ولا عوج‏:‏ ‏{‏ديناً قيماً‏}‏‏.‏‏.‏ وهو دين الله القديم منذ إبراهيم‏.‏ أبي هذه الأمة المسلمة المبارك المخلص المنيب‏:‏ ‏{‏ملة إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين‏}‏‏.‏

‏{‏قل‏:‏ إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين‏.‏ لا شريك له‏.‏ وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين‏}‏‏.‏‏.‏

إنه التجرد الكامل لله، بكل خالجة في القلب وبكل حركة في الحياة‏.‏ وبالصلاة والاعتكاف‏.‏ وبالمحيا والممات‏.‏ بالشعائر التعبدية، وبالحياة الواقعية، وبالممات وما وراءه‏.‏

إنها تسبيحة «التوحيد» المطلق، والعبودية الكاملة، تجمع الصلاة والاعتكاف والمحيا والممات، وتخلصها لله وحده‏.‏ لله ‏{‏رب العالمين‏}‏‏.‏‏.‏ القوام المهيمن المتصرف المربي الموجه الحاكم للعالمين‏.‏‏.‏ في «إسلام» كامل لا يستبقي في النفس ولا في الحياة بقية لا يعبدها لله، ولا يحتجز دونه شيئاً في الضمير ولا في الواقع‏.‏‏.‏ ‏{‏وبذلك أمرت‏}‏‏.‏‏.‏ فسمعت وأطعت‏:‏ ‏{‏وأنا أول المسلمين‏}‏‏.‏

‏{‏قل‏:‏ أغير الله أبغي ربا، وهو رب كل شيء، ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

كلمة تتقصى السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن؛ وتشتمل كل مخلوق مما يعلم الإنسان ومما يجهل؛ وتجمع كل حادث وكل كائن في السر والعلانية‏.‏‏.‏ ثم تظللها كلها بربوبية الله الشاملة لكل كائن في هذا الكون الهائل؛ وتعبدها كلها لحاكمية الله المطلقة عقيدة وعبادة وشريعة‏.‏

ثم تعجب في استنكار‏:‏

‏{‏أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء‏}‏‏؟‏

أغير الله أبغي ربا يحكمني ويصرف أمري ويهيمن عليَّ ويقومني ويوجهني‏؟‏ وأنا مأخوذ بنيتي وعملي، محاسب على ما أكسبه من طاعة ومعصية‏؟‏

أغير الله أبغي ربا‏.‏ وهذا الكون كله في قبضته؛ وأنا وأنتم في ربوبيته‏؟‏

أغير الله أبغي ربا وكل فرد مجزي بذنبه لا يحمله عنه غيره‏؟‏ ‏{‏ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

أغير الله أبغي ربا وإليه مرجعكم جميعاً فيحاسبكم على ما كنتم تختلفون فيه‏؟‏

أغير الله أبغي ربا، وهو الذي استخلف الناس في الأرض، ورفع بعضهم فوق بعض درجات في العقل والجسم والرزق؛ ليبتليهم أيشكرون أم يكفرون‏؟‏

أغير الله أبغي ربا، وهو سريع العقاب، غفور رحيم لمن تاب‏؟‏

أغير الله أبغي ربا، فأجعل شرعه شرعاً، وأمره أمراً، وحكمه حكماً‏.‏ وهذه الدلائل والموحيات كلها حاضرة؛ وكلها شاهدة؛ وكلها هادية إلى أن الله وحده هو الرب الواحد المتفرد‏؟‏‏!‏

إنها تسبيحة التوحيد الرخية الندية؛ يتجلى من خلالها ذلك المشهد الباهر الرائع‏.‏

مشهد الحقيقة الإيمانية، كما هي في قلب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو مشهد لا يعبر عن روعته وبهائه إلا التعبير القرآني الفريد‏.‏‏.‏

إنه الإيقاع الأخير في السياق الذي استهدف قضية الحاكمية والشريعة؛ يجيء متناسقاً مع الإيقاعات الأولى في السورة، تلك التي استهدفت قضية العقيدة والإيمان؛ من ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل‏:‏ أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض، وهو يطعم ولا يطعم‏؟‏ قل‏:‏ إني أمرت أن أكون أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين‏.‏ قل‏:‏ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم‏.‏ من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه، وذلك الفوز المبين‏}‏ وغيرها في السورة كثير‏.‏‏.‏

ولا نحتاج أن نكرر ما قلناه مراراً من دلالة هذه المثاني التي تردد في المطالع والختام‏.‏ فهي صور متنوعة للحقيقة الواحدة‏.‏‏.‏ الحقيقة التي تبدو مرة في صورة عقيدة في الضمير‏.‏ وتبدو مرة في صورة منهج للحياة‏.‏‏.‏ وكلتا الصورتين تعنيان حقيقة واحدة في مفهوم هذا الدين‏.‏‏.‏

ولكننا نتلفت الآن- وقد انتهى سياق السورة- على المدى المتطاول، والمساحة الشاسعة، والأغوار البعيدة‏.‏‏.‏ تلك التي تتراءى فيها أبعاد السورة- ما سبق منها في الجزء السابع وما نواجهه منها في هذا الجزء- فإذا هو شيء هائل هائل‏.‏‏.‏ وننظر إلى حجم السورة، فإذا هي كذا صفحة، وكذا آية، وكذا عبارة‏.‏‏.‏ ولو كان هذا في كلام البشر ما اتسعت هذه الرقعة لعشر معشار هذا الحشد من الحقائق والمشاهد والمؤثرات والموحيات؛ في مثل هذه المساحة المحدودة‏!‏‏.‏‏.‏ وذلك فضلاً على المستوى المعجز الذي تبلغه هذه الحقائق بذاتها، والذي يبلغه التعبير عنها كذلك‏.‏‏.‏

ألا إنها رحلة شاسعة الآماد، عميقة الأغوار، هائلة الأبعاد هذه التي قطعناها مع السورة‏.‏‏.‏ رحلة مع حقائق الوجود الكبيرة‏.‏‏.‏ رحلة تكفي وحدها لتحصيل «مقومات التصور الإسلامي»‏!‏

حقيقة الألوهية بروعتها وبهائها وجلالها وجمالها‏.‏‏.‏

وحقيقة الكون والحياة وما وراء الكون والحياة من غيب مكنون، ومن قدر مجهول، ومن مشيئة تمحو وتثبت، وتنشئ وتعدم، وتحيي وتميت، وتحرك الكون والأحياء والناس كما تشاء‏.‏

وحقيقة النفس الإنسانية، بأغوارها وأعماقها، ودروبها ومنحنياتها، وظاهرها وخافيها، وأهوائها وشهواتها، وهداها وضلالها، وما يوسوس لها من شياطين الإنس والجن‏.‏‏.‏ وما يقود خطواتها من هدى أو ضلال‏.‏‏.‏

ومشاهد قيامة، ومواقف حشر، ولحظات كربة وضيق، ولحظات أمل واستبشار‏.‏ ولقطات من تاريخ الإنسان في الأرض؛ ولقطات من تاريخ الكون والحياة‏.‏

وحشود وحشود من هذه المجالي التي لا نملك تلخيصها في هذه العجالة‏.‏ والتي لا تعبر عنها إلا السورة نفسها، في سياقها الفريد، وفي أدائها العجيب‏.‏

إنه الكتاب «المبارك»‏.‏‏.‏ وهذه- بلا شك- واحدة من بركاته الكثيرة‏.‏‏.‏ والحمد لله رب العالمين‏.‏‏.‏

سورة الأعراف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 9‏]‏

‏{‏المص ‏(‏1‏)‏ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏2‏)‏ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏3‏)‏ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ‏(‏4‏)‏ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ‏(‏5‏)‏ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏6‏)‏ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ‏(‏7‏)‏ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏8‏)‏ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏المص‏}‏‏.‏‏.‏ ألف‏.‏ لام‏.‏ ميم‏.‏ صاد‏.‏‏.‏

هذا المطلع من الحروف المقطعة سبق الكلام عن نظائره في أول سورة البقرة وفي أول سورة آل عمران‏.‏ وقد اخترنا في تفسيرها الرأي القائل، بأنها حروف مقطعة يشير بها إلى أن هذا القرآن مؤلف من جنس هذه الأحرف العربية التي يستخدمها البشر، ثم يعجزهم أن يؤلفوا منها كلاماً كهذا القرآن، وأن هذا بذاته برهان أن هذا القرآن ليس من صنع البشر، فقد كانت أمامهم الأحرف والكلمات التي صيغ منها، فلم يستطيعوا أن يصوغوا منها قرآنا مثله‏.‏ فلا بد من سر آخر وراء الأحرف والكلمات‏.‏‏.‏ وهو رأي نختاره على وجه الترجيح لا الجزم‏.‏ والله أعلم بمراده‏.‏

وعلى ذلك يصح القول بأن ‏{‏المص‏}‏ مبتدأ خبره‏:‏ ‏{‏كتاب أنزل إليك‏}‏‏.‏‏.‏ بمعنى أن هذه الأحرف وما تألف منها هي الكتاب‏.‏‏.‏ كما يصح القول بأن ‏{‏المص‏}‏ مجرد إشارة للتنبيه على ذلك المعنى الذي رجحناه‏.‏ و‏{‏كتاب‏}‏ خبر مبتدأ محذوف تقديره‏:‏ هو كتاب‏:‏ أو هذا كتاب‏.‏‏.‏

‏{‏كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به، وذكرى للمؤمنين‏}‏‏.‏‏.‏

كتاب أنزل إليك للإنذار به والتذكير‏.‏‏.‏ كتاب للصدع بما فيه من الحق ولمواجهة الناس بما لا يحبون؛ ولمجابهة عقائد وتقاليد وارتباطات؛ ولمعارضة نظم وأوضاع ومجتمعات‏.‏ فالحرج في طريقه كثير، والمشقة في الإنذار به قائمة‏.‏‏.‏ لا يدرك ذلك- كما قلنا في التعريف بالسورة- إلا من يقف بهذا الكتاب هذا الموقف؛ وإلا من يعاني من الصدع به هذه المعاناة؛ وإلا من يستهدف من التغيير الكامل الشامل في قواعد الحياة البشرية وجذورها، وفي مظاهرها وفروعها، ما كان يستهدفه حامل هذا الكتاب أول مرة- صلى الله عليه وسلم- ليواجه به الجاهلية الطاغية في الجزيرة العربية وفي الأرض كلها‏.‏‏.‏

وهذا الموقف ليس مقصوراً على ما كان في الجزيرة العربية يومذاك، وما كان في الأرض من حولها‏.‏‏.‏ إن الإسلام ليس حادثاً تاريخياً، وقع مرة، ثم مضى التاريخ وخلفه وراءه‏!‏‏.‏‏.‏ إن الإسلام مواجهة دائمة لهذه البشرية إلى يوم القيامة‏.‏‏.‏ وهو يواجهها كما واجهها أول مرة، كلما انحرفت هي وارتدت إلى مثل ما كانت فيه أول مرة‏!‏‏.‏‏.‏ إن البشرية تنتكس بين فترة وأخرى وترجع إلى جاهليتها- وهذه هي «الرجعية» البائسة المرذولة- وعندئذ يتقدم الإسلام مرة أخرى ليؤدي دوره في انتشالها من هذه «الرجعية» مرة أخرى كذلك؛ والأخذ بيدها في طريق التقدم والحضارة؛ ويتعرض حامل دعوته والمنذر بكتابه للحرج الذي تعرض له الداعية الأولى- صلى الله عليه وسلم- وهو يواجه البشرية بغير ما استكانت إليه من الارتكاس في وحل الجاهلية؛ والغيبوبة في ظلامها الطاغي‏!‏ ظلام التصورات‏.‏

وظلام الشهوات‏.‏ وظلام الطغيان والذل‏.‏ وظلام العبودية للهوى الذاتي ولأهواء العبيد أيضاً‏!‏ ويتذوق من يتعرض لمثل هذا الحرج، وهو يتحرك لاستنقاذ البشرية من مستنقع الجاهلية، طعم هذا التوجيه الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏{‏كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين‏}‏‏.‏‏.‏

ويعلم- من طبيعة الواقع- من هم المؤمنون الذين لهم الذكرى، ومن هم غير المؤمنين الذين لهم الإنذار‏.‏ ويعود هذا القرآن عنده كتابا حيا يتنزل اللحظة، في مواجهة واقع يجاهده هو بهذا القرآن جهاداً كبيراً‏.‏‏.‏

والبشرية اليوم في موقف كهذا الذي كانت فيه يوم جاءها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الكتاب، مأموراً من ربه أن ينذر به ويذكر؛ وألا يكون في صدره حرج منه، وهو يواجه الجاهلية، ويستهدف تغييرها من الجذور والأعماق‏.‏‏.‏

لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاءها هذا الدين، وانتكست البشرية إلى جاهلية كاملة شاملة للأصول والفروع والبواطن والظواهر، والسطوح والأعماق‏!‏‏.‏

انتكست البشرية في تصوراتها الاعتقادية ابتداء- حتى الذين كان آباؤهم وأجدادهم من المؤمنين بهذا الدين، المسلمين لله المخلصين له الدين- فإن صورة العقيدة قد مسخت في تصورهم ومفهومهم لها في الأعماق‏.‏‏.‏

لقد جاء هذا الدين ليغير وجه العالم، وليقيم عالماً آخر، يقر فيه سلطان الله وحده، ويبطل سلطان الطواغيت‏.‏ عالماً يعبد فيه الله وحده- بمعنى «العبادة» الشامل- ولا يعبد معه أحد من العبيد‏.‏ عالماً يخرج الله فيه- من شاء- من عبادة العباد إلى عبادةِ الله وحده‏.‏ عالماً يولد فيه «الإنسان» الحر الكريم النظيف‏.‏‏.‏ المتحرر من شهوته وهواه، تحرره من العبودية لغير الله‏.‏

جاء هذا الدين ليقيم قاعدة‏:‏ «أشهد أن لا إله إلا الله» التي جاء بها كل نبي إلى قومه على مدار التاريخ البشري- كما تقرر هذه السورة وغيرها من سور القرآن الكريم- وشهادة أن لا إله إلا الله ليس لها مدلول إلا أن تكون الحاكمية العليا لله في حياة البشر، كما أن له الحاكمية العليا في نظام الكون سواء‏.‏ فهو المتحكم في الكون والعباد بقضائه وقدره، وهو المتحكم في حياة العباد بمنهجه وشريعته‏.‏‏.‏ وبناء على هذه القاعدة لا يعتقد المسلم أن لله شريكاً في خلق الكون وتدبيره وتصريفه؛ ولا يتقدم المسلم بالشعائر التعبدية إلاّ لله وحده‏.‏ ولا يتلقى الشرائع والقوانين، والقيم والموازين، والعقائد والتصورات إلا من الله، ولا يسمح لطاغوت من العبيد أن يدعي حق الحاكمية في شيء من هذا كله مع الله‏.‏

هذه هي قاعدة هذا الدين من ناحية الاعتقاد‏.‏‏.‏ فأين منها البشرية كلها اليوم‏؟‏

إن البشرية تنقسم شيعاً كلها جاهلية‏.‏

شيعة ملحدة تنكر وجود الله أصلاً وهم الملحدون‏.‏

‏.‏ فأمرهم ظاهر لا يحتاج إلى بيان‏!‏

وشيعة وثنية تعترف بوجود إله، ولكنها تشرك من دونه آلهة أخرى وأرباباً كثيرة‏.‏ كما في الهند، وفي أواساط إفريقية، وفي أجزاء متفرقة من العالم‏.‏

وشيعة «أهل كتاب» من اليهود والنصارى‏.‏ وهؤلاء أشركوا قديماً بنسبة الولد إلى الله‏.‏ كما أشركوا باتخاذ أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله- لأنهم قبلوا منهم ادعاء حق الحاكمية وقبلوا منهم الشرائع‏.‏ وإن كانوا لم يصلوا لهم ولم يسجدوا ولم يركعوا أصلاً‏!‏‏.‏‏.‏ ثم هم اليوم يقصون حاكمية الله بجملتها من حياتهم ويقيمون لأنفسهم أنظمة يسمونها «الرأسمالية» و«الاشتراكية»‏.‏‏.‏ وما إليها‏.‏ ويقيمون لأنفسهم أوضاعاً للحكم يسمونها «الديمقراطية» و«الديكتاتورية»‏.‏‏.‏‏.‏ وما إليها‏.‏ ويخرجون بذلك عن قاعدة دين الله كله، إلى مثل جاهلية الإغريق والرومان وغيرهم، في اصطناع أنظمة وأوضاع للحياة من عند أنفسهم‏.‏

وشيعة تسمي نفسها «مسلمة»‏!‏ وهي تتبع مناهج أهل الكتاب هذه- حذوك النعل بالنعل‏!‏- خارجة من دين الله إلى دين العباد‏.‏ فدين الله هو منهجه وشرعه ونظامه الذي يضعه للحياة وقانونه‏.‏ ودين العباد هو منهجهم للحياة وشرعهم ونظامهم الذي يضعونه للحياة وقوانينهم‏!‏

لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين للبشرية؛ وانتكست البشرية بجملتها إلى الجاهلية‏.‏‏.‏ شيعها جميعاً لا تتبع دين الله أصلاً‏.‏‏.‏ وعاد هذا القرآن يواجه البشرية كما واجهها أول مرة، يستهدف منها نفس ما استهدفه في المرة الأولى من إدخالها في الإسلام ابتداء من ناحية العقيدة والتصور‏.‏ ثم إدخالها في دين الله بعد ذلك من ناحية النظام والواقع‏.‏‏.‏ وعاد حامل هذا الكتاب يواجه الحرج الذي كان يواجهه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يواجه البشرية الغارقة في مستنقع الجاهلية، المستنيمة للمستنقع الآسن، الضالة في تيه الجاهلية، المستسلمة لاستهواء الشيطان في التيه‏!‏‏.‏‏.‏ وهو يستهدف ابتداء إنشاء عقيدة وتصور في قلوب الناس وعقولهم تقوم على قاعدة‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله‏.‏ وإنشاء واقع في الأرض آخر يعبد فيه الله وحده، ولا يعبد معه سواه‏.‏ وتحقيق ميلاد للإنسان جديد‏.‏ يتحرر فيه الإنسان من عبادة العبيد، ومن عبادة هواه‏!‏

إن الإسلام ليس حادثاً تاريخياً، وقع مرة، ثم مضى التاريخ وخلفه وراءه‏.‏‏.‏ إنه اليوم مدعو لأداء دوره الذي أداه مرة، في مثل الظروف والملابسات والأوضاع والأنظمة والتصورات والعقائد والقيم والموازين والتقاليد‏.‏‏.‏‏.‏ التي واجهها أول مرة‏.‏

إن الجاهلية حالة ووضع؛ وليست فترة تاريخية زمنية‏.‏‏.‏ والجاهلية اليوم ضاربة أطنابها في كل أرجاء الأرض، وفي كل شيع المعتقدات والمذاهب والأنظمة والأوضاع‏.‏‏.‏ إنها تقوم ابتداء على قاعدة‏:‏ «حاكمية العباد للعباد»، ورفض حاكمية الله المطلقة للعباد‏.‏ تقوم على أساس أن يكون «هوى الإنسان» في أية صورة من صوره هو الإله المتحكم، ورفض أن تكون «شريعة الله» هي القانون المحكم‏.‏

‏.‏ ثم تختلف أشكالها ومظاهرها، وراياتها وشاراتها، وأسماؤها وأوصافها، وشيعها ومذاهبها‏.‏‏.‏ غير أنها كلها تعود إلى هذه القاعدة المميزة المحددة لطبيعتها وحقيقتها‏.‏‏.‏

وبهذا المقياس الأساسي يتضح أن وجه الأرض اليوم تغمره الجاهلية‏.‏ وأن حياة البشرية اليوم تحكمها الجاهلية‏.‏ وأن الإسلام اليوم متوقف عن «الوجود» مجرد الوجود‏!‏ وأن الدعاة إليه اليوم يستهدفون ما كان يستهدفه محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تماماً؛ ويواجهون ما كان يواجهه- صلى الله عليه وسلم- تماماً، وأنهم مدعوون إلى التأسي به في قول الله- سبحانه- له‏:‏

‏{‏كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين‏}‏‏.‏‏.‏

ولتوكيد هذه الحقيقة وجلائها نستطرد إلى شيء قليل من التفصيل‏:‏

إن المجتمعات البشرية اليوم- بجملتها- مجتمعات جاهلية‏.‏ وهي من ثم مجتمعات «متخلفة» أو «رجعية»‏!‏ بمعنى أنها «رجعت» إلى الجاهلية، بعد أَن أخذ الإسلام بيدها فاستنقذها منها‏.‏ والإسلام اليوم مدعو لاستنقاذها من التخلف والرجعية الجاهلية، وقيادتها في طريق التقدم و«الحضارة» بقيمها وموازينها الربانية‏.‏

إنه حين تكون الحاكمية العليا لله وحده في مجتمع- متمثلة في سيادة شريعته الربانية- تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً حقيقياً كاملاً من العبودية للهوى البشري ومن العبودية للعبيد‏.‏ وتكون هذه هي الصورة الوحيدة للإسلام أو للحضارة- كما هي في ميزان الله- لأن الحضارة التي يريدها الله للناس تقوم على قاعدة أساسية من الكرامة والتحرر لكل فرد‏.‏ ولا كرامة ولا تحرر مع العبودية لعبد‏.‏‏.‏ لا كرامة ولا تحرر في مجتمع بعضه أرباب يشرعون ويزاولون حق الحاكمية العليا؛ وبعضهم عبيد يخضعون ويتبعون هؤلاء الأرباب‏!‏ والتشريع لا ينحصر في الأحكام القانونية‏.‏ فالقيم والموازين والأخلاق والتقاليد‏.‏‏.‏ كلها تشريع يخضع الأفراد لضغطه شاعرين أو غير شاعرين‏!‏‏.‏‏.‏ ومجتمع هذه صفته هو مجتمع رجعي متخلف‏.‏‏.‏ أو بالاصطلاح الإسلامي‏:‏ «مجتمع جاهلي مشرك»‏!‏

وحين تكون آصرة التجمع في مجتمع هي العقيدة والتصور والفكر ومنهج الحياة‏.‏ ويكون هذا كله صادراً من الله، لا من هوى فرد، ولا من إرادة عبد‏.‏ فإن هذا المجتمع يكون مجتمعاً متحضراً متقدماً‏.‏ أَو بالاصطلاح الإسلامي‏:‏ مجتمعاً ربانياً مسلماً‏.‏‏.‏ لأن التجمع حينئذ يكون ممثلاً لأعلى ما في «الإنسان» من خصائص- خصائص الروح والفكر- فأما حين تكون آصرة التجمع هي الجنس واللون والقوم والأرض‏.‏‏.‏ وما إلى ذلك من الروابط‏.‏‏.‏ فإنه يكون مجتمعاً رجعيا متخلفا‏.‏‏.‏ أو بالاصطلاح الإسلامي‏:‏ مجتمعاً جاهلياً مشركاً‏.‏‏.‏ ذلك أن الجنس واللون والقوم والأرض‏.‏

‏.‏ وما إلى ذلك من الروابط لا تمثل الحقيقة العليا في «الإنسان»‏.‏ فالإنسان يبقى إنساناً بعد الجنس واللون والقوم والأرض‏.‏ ولكنه لا يبقى إنساناً بعد الروح والفكر‏!‏

ثم هو يملك بإرادته الإنسانية الحرة- وهي أسمى ما أكرمه الله به- أن يغير عقيدته وتصوره وفكره ومنهج حياته من ضلال إلى هدى عن طريق الإدراك والفهم والاقتناع والاتجاه‏.‏ ولكنه لا يملك أبداً أن يغير جنسه، ولا لونه، ولا قومه‏.‏ لا يملك أن يحدد سلفاً مولده في جنس ولا لون؛ كما لا يمكنه أن يحدد سلفا مولده في قوم أو أرض‏.‏‏.‏ فالمجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمر يتعلق بإرادتهم الحرة هو بدون شك أرقى وأمثل وأقوم من المجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمور خارجة عن إرادتهم ولا يد لهم فيها‏!‏

وحين تكون «إنسانية الإنسان» هي القيمة العليا في مجتمع؛ وتكون «الخصائص الإنسانية» فيه موضع التكريم والرعاية، يكون هذا المجتمع متحضراً متقدما‏.‏‏.‏ أو بالاصطلاح الإسلامي‏:‏ ربانياً مسلماً‏.‏‏.‏ فأما حين تكون «المادة»- في أية صورة من صورها- هي القيمة العليا‏.‏‏.‏ سواء في صورة «النظرية» كما في الماركسية، أو في صورة «الإنتاج المادي» كما في أمريكا وأوربا وسائر المجتمعات التي تعتبر الإنتاج المادي هو القيمة العليا، التي تهدر في سبيلها كل القيم والخصائص الإنسانية- وفي أولها القيم الأخلاقية- فإن هذا المجتمع يكون مجتمعاً رجعياً متخلفاً‏.‏‏.‏ أو بالاصطلاح الإسلامي‏:‏ مجتمعاً جاهلياً مشركاً‏.‏‏.‏

‏.‏‏.‏ إن المجتمع الرباني المسلم لا يحتقر المادة؛ لا في صورة «النظرية» باعتبار المادة هي التي تؤلف كيان هذا الكون الذي نعيش فيه؛ ولا في صورة «الإنتاج المادي» والاستمتاع به‏.‏ فالإنتاج المادي من مقومات خلافة الإنسان في الأرض بعهد الله وشرطه؛ والاستمتاع بالطيبات منها حلال يدعو الإسلام إليه- كما سنرى في سياق هذه السورة- ولكنه لا يعتبرها هي القيمة العليا التي تهدر في سبيلها خصائص «الإنسان» ومقوماته‏!‏ كما تعتبرها المجتمعات الجاهلية‏.‏‏.‏ الملحدة أو المشركة‏.‏‏.‏

وحين تكون القيم «الإنسانية» والأخلاق «الإنسانية»- كما هي في ميزان الله- هي السائدة في مجتمع، فإن هذا المجتمع يكون متحضراً متقدماً‏.‏‏.‏ أو بالاصطلاح الإسلامي‏.‏‏.‏ ربانياً مسلماً‏.‏‏.‏ والقيم «الإنسانية» والأخلاق «الإنسانية» ليست مسألة غامضة ولا مائعة؛ وليست كذلك قيماً وأخلاقاً متغيرة لا تستقر على حال- كما يزعم الذين يريدون أن يشيعوا الفوضى في الموازين، فلا يبقى هنالك أصل ثابت يرجع إليه في وزن ولا تقييم‏.‏‏.‏ إنها القيم والأخلاق التي تنمي في الإنسان «خصائص الإنسان» التي ينفرد بها دون الحيوان‏.‏ وتُغلب فيه هذا الجانب الذي يميزه ويجعل منه إنساناً‏.‏

وليست هي القيم والأخلاق التي تنمي فيه الجوانب المشتركة بينه وبين الحيوان‏.‏‏.‏ وحين توضع المسألة هذا الوضع يبرز فيها خط فاصل وحاسم وثابت، لا يقبل عملية التمييع المستمرة التي يحاولها «التطوريون»‏!‏ عندئذ لا تكون هناك أخلاق زراعية وأخرى صناعية‏.‏ ولا أخلاق رأسمالية وأخرى اشتراكية‏.‏ ولا أخلاق صعلوكية وأخرى برجوازية‏!‏ لا تكون هناك أخلاق من صنع البيئة ومن مستوى المعيشة، على اعتبار أن هذه العوامل مستقلة في صنع القيم والأخلاق والاصطلاح عليها، وحتمية في نشأتها وتقريرها‏.‏ إنما تكون هناك فقط «قيم وأخلاق إنسانية» يصطلح عليها المسلمون في المجتمع المتحضر‏.‏ «وقيم وأخلاق حيوانية»- إذا صح هذا التعبير- يصطلح عليها الناس في المجتمع المتخلف‏.‏‏.‏ أو بالاصطلاح الإسلامي تكون هناك قيم وأخلاق ربانية إسلامية؛ وقيم وأخلاق رجعية جاهلية‏!‏

إن المجتمعات التي تسود فيها القيم والأخلاق والنزعات الحيوانية، لا يمكن أن تكون مجتمعات متحضرة، مهما تبلغ من التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي‏!‏ إن هذا المقياس لا يخطئ في قياس مدى التقدم في الإنسان ذاته‏.‏

وفي المجتمعات الجاهلية الحديثة ينحسر المفهوم الأخلاقي بحيث يتخلى عن كل ما له علاقة بالتميز الإنساني عن الحيوان‏.‏ ففي هذه المجتمعات لا تعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية- ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة- رذيلة أخلاقية‏!‏ إن المفهوم «الأخلاقي» ينحصر في المعاملات الشخصية والاقتصادية والسياسية- أحيانا في حدود مصلحة الدولة‏!‏- والكتّاب والصحفيون والروائيون وكل أجهزة التوجيه والإعلام في هذه المجتمعات الجاهلية تقولها صريحة للفتيات والزوجات والفتيان والشبان‏:‏ إن الاتصالات الجنسية الحرة ليست رذائل أخلاقية‏!‏

مثل هذه المجتمعات مجتمعات متخلفة غير متحضرة- من وجهة النظر «الإنسانية»‏.‏ وبمقياس خط التقدم الإنساني‏.‏‏.‏ وهي كذلك غير إسلامية‏.‏‏.‏ لأن خط الإسلام هو خط تحرير الإنسان من شهواته، وتنمية خصائصه الإنسانية، وتغلبها على نزعاته الحيوانية‏.‏‏.‏

ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا في وصف المجتمعات البشرية الحاضرة، وإغراقها في الجاهلية‏.‏‏.‏ من العقيدة إلى الخلق‏.‏ ومن التصور إلى أوضاع الحياة‏.‏‏.‏ ونحسب أن هذه الإشارة المجملة تكفي لتقرير ملامح الجاهلية في المجتمعات البشرية الحاضرة‏.‏ ولتقرير حقيقة ما تستهدفه الدعوة الإسلامية اليوم وما يستهدفه الدعاة إلى دين الله‏.‏‏.‏ إنها دعوة البشرية من جديد إلى الدخول في الإسلام‏:‏ عقيدة وخلقاً ونظاماً‏.‏‏.‏ إنها ذات المحاولة التي كان يتصدى لها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وإنها ذات النقطة التي بدأ منها دعوته أول مرة‏.‏ وإنه ذات الموقف الذي وقفه بهذا الكتاب الذي أنزل إليه؛ وربه- سبحانه- يخاطبه‏:‏

‏{‏كتاب أنزل إليك، فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين‏}‏‏.‏‏.‏

وفي الوقت الذي وجه الله- سبحانه- هذا التكليف إلى رسوله، وجه إلى قومه المخاطبين بهذا القرآن أول مرة- وإلى كل قوم يواجههم الإسلام ليخرجهم من الجاهلية- الأمر باتباع ما أنزل في هذا الكتاب، والنهي عن اتباع الأولياء من دون الله‏.‏

ذلك أن القضية في صميمها هي قضية «الاتباع»‏.‏‏.‏ من يتبع البشر في حياتهم‏؟‏ يتبعون أمر الله فهم مسلمون‏.‏ أم يتبعون أمر غيره فهم مشركون‏؟‏ إنهما موقفان مختلفان لا يجتمعان‏:‏

‏{‏اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، ولا تتبعوا من دونه أولياء‏.‏ قليلاً ما تذكرون‏}‏‏.‏

هذه هي قضية هذا الدين الأساسية‏.‏‏.‏ إنه إما اتباع لما أنزل الله فهو الإسلام لله، والاعتراف له بالربوبية، وإفراده بالحاكمية التي تأمر فتطاع، ويتبع أمرها ونهيها دون سواه‏.‏‏.‏ وإما اتباع للأولياء من دونه فهو الشرك، وهو رفض الاعتراف لله بالربوبية الخالصة‏.‏‏.‏ وكيف والحاكمية ليست خالصة له سبحانه‏؟‏‏!‏

وفي الخطاب للرسول- صلى الله عليه وسلم- كان الكتاب منزلاً إليه بشخصه‏:‏ ‏{‏كتاب أنزل إليك‏}‏‏.‏‏.‏ وفي الخطاب للبشر كان الكتاب كذلك منزلاً إليهم من ربهم‏:‏ ‏{‏اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم‏}‏‏.‏ فأما الرسول- صلى الله عليه وسلم- فالكتاب منزل إليه ليؤمن به ولينذر ويذكر‏.‏ وأما البشر فالكتاب منزل إليهم من ربهم ليؤمنوا به ويتبعوه، ولا يتبعوا أمر أحد غيره‏.‏‏.‏ والإسناد في كلتا الحالتين للاختصاص والتكريم والتحضيض والاستجاشة‏.‏ فالذي ينزل له ربه كتاباً، ويختاره لهذا الأمر، ويتفضل عليه بهذا الخير، جدير بأن يتذكر وأن يشكر؛ وأن يأخذ الأمر بقوة ولا يستحسر‏.‏

ولأن المحاولة ضخمة‏.‏‏.‏ وهي تعني التغيير الأساسي الكامل الشامل للجاهلية‏:‏ تصوراتها وأفكارها، وقيمها وأخلاقها، وعاداتها وتقاليدها، ونظمها، وأوضاعها، واجتماعها واقتصادها، وروابطها بالله، وبالكون، وبالناس‏.‏‏.‏

لأن المحاولة ضخمة على هذا النحو؛ يمضي السياق فيهز الضمائر هزاً عنيفاً؛ ويوقظ الأعصاب إيقاظاً شديداً؛ ويرج الجبلات السادرة في الجاهلية، المستغرقة في تصوراتها وأوضاعها رجاً ويدفعها دفعاً‏.‏‏.‏ وذلك بأن يعرض عليها مصارع الغابرين من المكذبين في الدنيا، ومصائرهم كذلك في الآخرة‏:‏

‏{‏وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون‏.‏ فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا‏:‏ إنا كنا ظالمين‏.‏‏.‏ فلنسألن الذين أرسل إليهم، ولنسألن المرسلين‏.‏ فلنقصن عليهم بعلم، وما كنا غائبين‏.‏ والوزن يومئذ الحق، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون‏.‏ ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون‏}‏‏.‏‏.‏

إن مصارع الغابرين خير مذكر، وخير منذر‏.‏‏.‏ والقرآن يستصحب هذه الحقائق، فيجعلها مؤثرات موحية، ومطارق موقظة، للقلوب البشرية الغافلة‏.‏

إنها كثيرة تلك القرى التي أهلكت بسبب تكذيبها‏.‏ أهلكت وهي غارة غافلة‏.‏ في الليل وفي ساعة القيلولة، حيث يسترخي الناس للنوم، ويستسلمون للأمن‏:‏

‏{‏وكم من قرية أهلكناها، فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون‏}‏‏.‏

وكلتاهما‏.‏

‏.‏ البيات والقيلولة‏.‏‏.‏ ساعة غرّة واسترخاء وأمان‏!‏ والأخذ فيهما أشد ترويعا وأعنف وقعا‏.‏ وأدعى كذلك إلى التذكر والحذر والتوقي والاحتياط‏!‏

ثم ما الذي حدث‏؟‏ إنه لم يكن لهؤلاء المأخوذين في غرتهم إلا الاعتراف‏!‏ ولم يكن لهم دعوى يدعونها إلا الإقرار‏!‏

‏{‏فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا‏:‏ إنا كنا ظالمين‏}‏‏.‏‏.‏

والإنسان يدعي كل شيء إلا الاعتراف والإقرار‏!‏ ولكنهم في موقف لا يملكون أن يدعوا إلا هذه الدعوى‏!‏ ‏{‏إنا كنا ظالمين‏}‏‏.‏‏.‏ فيا له من موقف مذهل رعيب مخيف، ذلك الذي يكون أقصى المحاولة فيه هو الاعتراف بالذنب والإقرار بالشرك‏!‏

إن الظلم الذي يعنونه هنا هو الشرك‏.‏ فهذا هو المدلول الغالب على هذا التعبير في القرآن‏.‏‏.‏ فالشرك هو الظلم‏.‏ والظلم هو الشرك‏.‏ وهل أظلم ممن يشرك بربه وهو خلقه‏؟‏‏!‏

وبينما المشهد معروض في الدنيا، وقد أخذ الله المكذبين ببأسه، فاعترفوا وهم يعاينون بأس الله أنهم كانوا ظالمين؛ وتكشف لهم الحق فعرفوه، ولكن حيث لا تجدي معرفة ولا اعتراف، ولا يكف بأس الله عنهم ندم ولا توبة‏.‏ فإن الندم قد فات موعده، والتوبة قد انقطعت طريقها بحلول العذاب‏.‏‏.‏

بينما المشهد هكذا معروضاً في الدنيا إذا السياق ينتقل، وينقل معه السامعين من فوره إلى ساحة الآخرة‏.‏ بلا توقف ولا فاصل‏.‏ فالشريط المعروض موصول المشاهد، والنقلة تتخطى الزمان والمكان، وتصل الدنيا بالآخرة، وتلحق عذاب الدنيا بعذاب الآخرة؛ وإذا الموقف هناك في لمحة خاطفة‏:‏

‏{‏فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين‏.‏ فلنقصن عليهم بعلم، وما كنا غائبين‏.‏ والوزن يومئذ الحق‏.‏ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون‏.‏ ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون‏}‏‏.‏‏.‏

إن التعبير على هذا النحو المصور الموحي، خاصية من خواص القرآن‏.‏‏.‏ إن الرحلة في الأرض كلها تطوى في لمحة‏.‏ وفي سطر من كتاب‏.‏ لتلتحم الدنيا بالآخرة؛ ويتصل البدء بالختام‏!‏

فإذا وقف هؤلاء الذين تعرضوا لبأس الله في هذه الأرض وقفتهم هناك للسؤال والحساب والجزاء، فإنه لا يكتفى باعترافهم ذاك حين واجهوا بأس الله الذي أخذهم وهم غارون‏:‏ ‏{‏إنا كنا ظالمين‏}‏‏.‏‏.‏

ولكنه السؤال الجديد، والتشهير بهم على الملأ الحاشد في ذلك اليوم المشهود‏:‏

‏{‏فلنسألن الذين أرسل إليهم، ولنسألن المرسلين‏.‏ فلنقصن عليهم بعلم- وما كنا غائبين‏}‏‏.‏

فهو السؤال الدقيق الوافي، يشمل المرسل إليهم ويشمل المرسلين‏.‏‏.‏ وتعرض فيه القصة كلها على الملأ الحاشد؛ وتفصل فيه الخفايا والدقائق‏!‏‏.‏‏.‏ يسأل الذين جاءهم الرسل فيعترفون‏.‏ ويسأل الرسل فيجيبون‏.‏ ثم يقص عليهم العليم الخبير كل شيء أحصاه الله ونسوه‏!‏ يقصه عليهم- سبحانه- بعلم فقد كان حاضراً كل شيء‏.‏ وما كان- سبحانه- غائباً عن شيء‏.‏‏.‏ وهي لمسة عميقة التأثير والتذكير والتحذير‏!‏

‏{‏والوزن يومئذ الحق‏}‏‏.‏‏.‏

إنه لا مجال هنا للمغالطة في الوزن؛ ولا التلبيس في الحكم؛ ولا الجدل الذي يذهب بصحة الأحكام والموازين‏.‏

‏{‏فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون‏}‏‏.‏‏.‏

فقد ثقلت في ميزان الله الذي يزن بالحق‏.‏ وجزاؤها إذن هو الفلاح‏.‏‏.‏ وأي فلاح بعد النجاة من النار، والعودة إلى الجنة، في نهاية الرحلة المديدة، وفي ختام المطاف الطويل‏؟‏

‏{‏ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون‏}‏‏.‏‏.‏

فقد خفت في ميزان الله الذي لا يظلم ولا يخطئ‏.‏ وقد خسروا أنفسهم‏.‏ فماذا يكسبون بعد‏؟‏ إن المرء ليحاول أن يجمع لنفسه‏.‏ فإذا خسر ذات نفسه فما الذي يبقى له‏؟‏

لقد خسروا أنفسهم بكفرهم بآيات الله‏:‏ ‏{‏بما كانوا بآياتنا يظلمون‏}‏ والظلم- كما أسلفنا- يطلق في التعبير القرآني ويراد به الشرك أو الكفر‏:‏ ‏{‏إن الشرك لظلم عظيم‏}‏ ولا ندخل هنا في طبيعة الوزن وحقيقة الميزان- كما دخل فيه المتجادلون بعقلية غير إسلامية في تاريخ الفكر «الإسلامي»‏!‏‏.‏‏.‏ فكيفيات أفعال الله كلها خارجة عن الشبيه والمثيل‏.‏ مذ كان الله سبحانه ليس كمثله شيء‏.‏‏.‏ وحسبنا تقرير الحقيقة التي يقصد إليها السياق‏.‏‏.‏ من أن الحساب يومئذ بالحق، وأنه لا يظلم أحد مثقال ذرة، وأن عملاً لا يبخس ولا يغفل ولا يضيع‏.‏